وصف الكتاب
إن من أهم مفرزات التطور التكنولوجي الحديث في مجا الحوسبة والاتصالات هو دخول الأجهزة الإلكترونية والحاسبات في ما يقارب كل مجال من مجالات الحياة اليومية للأفراد والشركات على حد سواء. الأمر الذي انعكس بالتالي على الطريقة التي يتم من خلالها تنفيذ العمليات التجارية والتعاقدية سواء من حيث الاتفاق القانوني المنشئ لها أو من حيث طريقة تأدية الالتزامات القانونية المترتبة عليها.
إن ما شهدته السنوات القليلة الماضية من تطور سريع للتبادل الإلكتروني للبيانات من خلال البريد الإلكتروني وشبكة المعلومات والاتصالات الدولية (الإنترنت) كان له تأثيراً جوهري على الطريقة التي تتم بها المعاملات والصفقات التجارية حيث يحل التبادل الإلكتروني للبيانات ووسائل الإبلاغ الإلكترونية الأخرى محل المستندات الورقية على نحو متزايد بصورة مطردة. ونتيجة لذلك ظهر وتطور في المجال التجاري القانوني ما يعرف بـ",التجارة الإلكترونية", والتي هي إحدى الوسائل التي يتم من خلالها إبرام العقود وتأدية الالتزامات والحقوق المترتبة عليها بطريقة إلكترونية باستعمال الحواسيب المتصلة على شبكة الإنترنت.
وصحيح أن هذه الوسائل الإلكترونية الجديدة تتيح الكثير من الفرص وتفتح أفقاً جديدة لمستعمليها لم تكن منظورة من قبل، إلا أنها في نفس الوقت تطرح تحديات جسام في مجال الأعمال والتشريع على حد سواء. فاستيعاب التجارة الإلكترونية بتطورها المطرد يتطلب تطوراً موازياً ومواكباً من حيث الهياكل القانونية والتكنولوجية وذلك من أجل تمكين التجار والمستعملين لها من الاستفادة إلى أقصى حد من الفرص التي تتيحها التجارة الإلكترونية.
وبما أن من أهم خواص القاعدة القانونية هو أن تكون مرنة بحيث تواكب وتشمل التطور التقني والتكنولوجي في أسلوب وطريقة إبرام العقود والمعاملات القانونية فإن ذلك يستدعي إيجاد قواعد قانونية جديدة وتطوير القواعد القانونية التقليدية التي تنظم هذه الأمور لكي تشمل في تنظيمها وتشريعها الأعمال التجارية الإلكترونية وتكسبها صبغة قانونية من خلال الاعتراف القانوني بصلاحية إبرامها بالوسائل الإلكترونية، وكذلك من خلال إعطائها الوزن القانوني كوسيلة إثبات كما هو الحال في الأسلوب التقليدي في إبرام العقود والمعاملات (العقود والمعاملات الخطية)، كما أن خاصية شمول القاعدة القانونية تقتضي بالإضافة إلى الاعتراف بصحة العقود الإلكترونية ووزن المستخرجات والوثائق الإلكترونية في الإثبات قيام المشرع بتنظيم أساليب ووسائل التجارة الإلكترونية وإيجاد البيئة التشريعية الملائمة التي تعني بالأساسيات كما تعني بالتفاصيل القانونية التي قد تنشأ في أحوال الخلاف وتثير جدلاً فقهياً وقضائياً واسعاً حولها.
وعند التمعن في تفاصيل ومراحل إجراء المعاملة الإلكترونية، نجد أن من أهم المواضيع التي تستحق اهتماماً تشريعياً خاصاً هو ما يعرف بـ",التوقيع الإلكتروني",، فقد جرى الفقه والقضاء على التعامل مع التوقيع الخطي الصادر عن يد الموقع والذي يفيد نسبة الحق أو الالتزام الثابت في السند الموقع إلى صاحب هذا التوقيع، كما يفيد توجه إرادة الموقع إلى تحمل الحقوق والالتزامات المترتبة على توقيعه، إلا أن التطور التقني والتكنولوجي قد طال هذا الأمر أيضاً، إذ لم يعد التوقيع يقتصر على ذلك الشكل التقليدي للتوقيع الذي تخطه يد المتعاقد، بل امتد إلى عدة أشكال أخرى مثل التوقيع من خلال تثبيت صورة التوقيع الخطي المخزنة إلكترونياً على السند المراد توقيعه.
في هذا الإطار يأتي الكتاب الذي بين يدينا حيث يسعى للكتابة في موضوع التوقيع الإلكتروني مستعيناً ببعض المراجع الأجنبية ومشيراً في معرض المقارنة والإقتداء إلى التطور التشريعي في هذا المجال لدى الدول المتقدمة تشريعياً.
وهكذا فقد عرف بالتجارة الإلكترونية من حيث ظهورها وتطورها وأهميتها بالإضافة إلى الإشارة إلى أهم العوائق في طريق تطورها، ومن ثم سلط الضوء على موضوع التوقيع الإلكتروني وماهيته وأنواعه آلية عمله وتطبيقاته ومشكلة الاعتراف القانوني به، وفي الفصل الثالث من هذا الكتاب تم مناقشة الوجه القانونية للتجارة الإلكترونية وبشكل خاص التوقيع الإلكتروني في ضوء التشريعات المحلية والدولية ليتم الخروج بالنتائج والتوصيات في الفصل الأخير.