وصف الكتاب
لقد تطورت الحياة الاقتصادية وتطورت معها العلاقات الدولية بما فيها المبادلات التجارية وانتقال رؤوس الأموال، ولكن ذلك لن يتم إلا إذا توفرت عملة تتعامل بها هذه الدول، ويمكن أن تكون هذه العملة عملة أحد البلدين المتعاملين ويمكن أن تكون عملة بلد ثالث ذي وزن اقتصادي لا بأس به، وهنا نكون في إطار ما يعرف بعملية صرف العملات، هذه العملية التي أصبحت لا غنى عنها، وهذا ما يجرنا إلى الحديث عن سعر الصرف، وكيف يؤثر هذا الأخير على المبادلات الاقتصادية بين الدول، وعلى الاقتصاد المحلي لكل دولة . فسعر صرف عملة دولة ما يرتبط باحتياطياتها من الذهب، وبأصولها الخارجية، و بقوة اقتصادها (الناتج المحلي، معدلات التضخم...) . وهناك جانب آخر، يتمثل بالمتغيرات السياسية، فيمكن تغيير سعر الصرف أو تحديده بقرار إداري (سياسي)، و بشكل لا يعكس قوته الشرائية، كما هو الحال في تركيا وبعض الدول الأخرى، أو ما قامت به السودان مؤخراً، باستبدال الدينار بوحدة جديدة تساوي عشرة دنانير قديمة (كأنها حذفت صفراً). ومن الجدير بالذكر إن الطلب على الصرف الأجنبي هو طلب مشتق وليس طلبا لذات ذلك الصرف، حيث إن التجارة الدولية تخلق الحاجة إلى بيع، شراء أو اقتراض العملات الأجنبية.
كما إن معاملات التجارة الدولية أحيانا قد لا تؤدي الى بيع العملة الأجنبية وشرائها من قبل منشآت الأعمال، كون تلك المنشآت اما ان تكون لديها حسابات مصرفية بالعملات الأجنبية لأغراض استلام مستحقاتها من العملات الأجنبية، او لأغراض تسديد ما يترتب عليها من التزامات، او ان تلك المنشآت قد تقوم بتسديد قيمة مشترياتها عن طريق القروض المصرفية بالعملات الأجنبية. ومن الجدير بالذكر ان شراء العملات الأجنبية وبيعها، او ايداعها في المصرف او اقتراضها من المصارف والمؤسسات المالية الأخرى، تعد من انشطة الأسواق المالية، التي تقوم بالمقابل بدعم واسناد المعاملات التجارية على الصعيدين المحلي والدولي.
وهناك العديد من العوامل التي تؤثر في عرض العملة والطلب عليها، وبالتالي تؤدي الى تحرك أسعار الصرف، ويمكن توزيع هذه العوامل الى قسمين: عوامل تؤثر على المدى الطويل، وعوامل تؤثر على المدى القصير. ومن العوامل التي تؤثر على المدى الطويل الظروف الاقتصادية والتشريعية التي تخلق الطلب لشراء او بيع العملة لاغراض تجارية او استثمارية. وان متوسط سعر الصرف بين عملتين بمرور الوقت، والتغيرات في سعر الصرف، يجب ان تعكس الاختلاف في كل من الظروف الاقتصادية والسياسية في كل دولة من الدولتين. اما بالنسبة للعوامل ذات التأثير قصير الأجل والمؤثرة في الطلب والعرض لعملة معينة فانها تظهر من جراء الظروف الحالية التي تسود في اسواق الصرف الأجنبي التي لن تدوم لأجل طويل. وان النقص المؤقت او الطارئ في البائعين لعملة ما سيقود الى ارتفاع سعر العملة وبالتالي جذب البائعين الى السوق. ولابد من التذكير هنا ان التعامل في الصرف الأجنبي تكتنفه المخاطر التي تفرض على المتعاملين فيها ان يعطوها الاهتمام اللازم من اجل الحد من هذه المخاطر. وهذا لن يتحقق الا من خلال توفير ادارة كفؤة لادارة الصرف الأجنبي تمتلك المعرفة والمهارة التي تمكن من التعامل مع اسواق الصرف الأجنبي بشكل علمي.
ومن اجل تحقيق الهدف المذكور اعلاه جاءت فكرة كتاب ",الأسس العلمية لإدارة العملة الأجنبية",، الذي هو بين ايديكم ، اضافة الى تعزيز المكتبة العربية بمرجع نأمل ان يساهم في سد النقص الكبير في الكتب التي تهتم بمثل هذا الموضوع الحيوي، الذي يشكل احد المجالات التي تحظى باهتمام متزايد بسبب انتشار ظاهرة العولمة التي ساهمت في فتح الحدود وتحرير التجارة الدولية، الأمر الذي ادى الى اتساع حجم المعاملات التي تتم في اسواق الصرف الأجنبي. ونأمل من الباري عز وجل أن يمكننا من اعطاء الموضوع حقه بما يتناسب مع اهمية الصرف الأجنبي. ويتكون هذا الكتاب من عشرة فصول، ركز الأول منها على ابراز اهمية النقود في عالمنا وحياتنا المعاصرة. اما الفصل الثاني فانه يعد مساهمة لإلقاء الضوء على تدفقات الأموال ضمن الإطار الدولي. وجاء الفصل الثالث من الكتاب ليناقش طبيعة الأسواق المالية الدولية وابراز الدور الذي تلعبه اسواق الصرف الأجنبي. وبالنسبة للفصل الرابع فقد خصص لمناقشة النظريات المفسرة للصرف الأجنبي. وقد تم التركيز في الفصل الخامس على الأسس المعتمدة في تحديد اسعار صرف العملات مقابل بعضها البعض. وفي الفصل السادس سيتم التعريف بالمشتقات المستخدمة في اسواق الصرف الأجنبي والتي قد تساهم في الحد من مخاطر التقلب في اسعار الصرف. وقد خصص الفصل السابع للتعريف بالأساليب العلمية التي يمكن استخدامها من قبل الإدارة للتنبؤ بالأسعار المستقبلية للصرف الأجنبي. اما بالنسبة للفصل الثامن فقد خصص لاعطاء فكرة عن كيفية قياس درجة التعرض لمخاطر التقلب في سعر الصرف. وفي الفصل ما قبل الأخير، ",التاسع",، تم استعراض اساليب ادارة التعرض لمخاطر الصرف الأجنبي. أما الفصل العاشر والأخير فقد خصص للتعريف بالمفاهيم الأساسية السائدة في الأسواق المالية بشكل عام وفي اسواق الصرف الأجنبي بشكل خاص، والتي يتوجب على الإدارة استيعابها.