وصف الكتاب
ضَربت الساحةَ السوريةَ حوادثُ غيّرت مسار الثورة فيها؛ لعل أبرزها كان تدخُّل إيران إلى جانب نظام الأسد بأذرعها الخارجية والميليشيات الموالية لها، والأشدّ من ذلك كان ظهور تنظيمات الغُلوّ والتطرُّف كـ ”جبهة النصرة” ثم “داعش” وما رافقه من متغيرات ميدانية وفكرية على الساحة السورية وفي مواقف الدول من الثورة.
ويرى كثيرون أن الربط بين تنظيمات الغلو والتطرف وإيران في الساحة السورية ضربٌ من المجازفة والغلوّ في نظرية المؤامرة؛ فعلى قَدْر التوافق المبكر بين قوى الثورة والمعارضة السورية ضد التغلغل الإيراني يمكن رصد تبايُن تجاه الموقف من الغُلاة المتطرفين؛ لاسيما في المراحل الأولى من عُمر الثورة السورية، بل إن التردّد إزاء مواجهتهم مبكراً تسبَّب بخسائر كبيرة في صفوف قوى الثورة والمعارضة، وفي خسارتها كذلك مساحات واسعة من المناطق. ولكنّ مواقفَ تاليةً من الغلاة المتطرفين - الذين وصلت بهم البراغماتية النفعية للانقلاب على ما أراقوا من دماء وخرّبوا مشاريع وطنية بحجَّتها - جعلتْ شريحة واسعة تُعيد النظر في طبيعة هذه التنظيمات وبُنيتها الفكرية من جهة، وفي طريق بنائها تحالفاتها وعملها الميداني من جهة أخرى.
لذا جاءت هذه الدراسة الوصفية التحليلية مشاركة في كشف العلاقة غير المعلنة لإيران بتنظيمات الغلاة المتطرفين، وللدقة في الدراسة والتحليل جُعلت بعنوان: ",استثمار إيران في جماعات الغلو والتطرف",؛ فهي علاقة استثمار خفيّة بُنيت على مصالح متبادلة، وإن كانت إيران المستفيد الأكبر من هذا الاستثمار.
والبحث في مثل هذه العلاقة الخفيّة لا يمكن أن يكتفي بما نُشِر واشتهر؛ وإلا جاء كلاماً لا يُبنى عليه، فاتجهنا في الدراسة للتنقيب في آثار تنظيمات الغلو والتطرف ذاتها، وفيما نُشر من وثائق وشهادات لعناصر منها، كما في وثائق زعيم القاعدة التي كُشف عن جزء منها في وثائق ",آبوت آباد",، وفيما كتبه مؤرّخون ودارسون في مراكز البحث أو مراكز المعلومات والاستخبارات العربية والعالمية عن هذه التنظيمات.
وستكون هذه الدراسة في إصدارَين؛ يستقلّ الإصدار الأول منهما – وهو الإصدار الذي بين أيديكم هنا – ببيان مفهوم الاستثمار الإيراني مع التنظيمات المتطرفة بشواهد حيّة مما بين الطرفَين، ثم بيان ألوان ذلك الاستثمار من دعم إيران تنظيمات الغلاة والتطرف بالتدريب وبالتمويل، وبالسلاح، وبالتقنيات العسكرية والمعلومات، وكذلك دعم الطرفين بعضهما على الصعيد الميداني ضد خصومهما؛ وهي قرائن دالّة على العلاقة التي جمعت إيران بتلك التنظيمات.